أبي بكر الكاشاني
296
بدائع الصنائع
والهبة لا توجب الضمان فلا يكون له حق الرجوع عليها بالنصف كالنصف الآخر وان وهبت بعد القبض فإن كان الموهوب عينا فقبضه ثم وهبه منها لم يرجع عليها بشئ لان ما تستحقه بالطلاق قبل الدخول هو نصف الموهوب بعينه وقد رجع إليه بعقد لا يوجب الضمان فلم يكن له الرجوع عليها وإن كانت دينا في الذمة فإن كان حيوانا أو عرضا فكذلك لا يرجع عليها شئ لان الذي تستحقه بالطلاق قبل الدخول نصف ذلك الشئ بعينه من العبد والثوب فصار كأنه تعين بالعقد وإن كان دراهم أو دنانير معينة أو غير معينة أو مكيلا أو موزونا سوى الدراهم والدنانير فقبضته ثم وهبته منه ثم طلقها يرجع عليها بمثل نصفه لان المستحق بالطلاق ليس هو الذي وهبته بعينه بل مثله بدليل انها كانت مخيرة في الدفع ان شاءت دفعت ذلك بعينه وان شاءت دفعت مثله كما كان الزوج مخيرا في الدفع إليها بالعقد فلم يكن العائد إليه عين ما يستحقه بالطلاق قبل الدخول فصار كأنها وهبت مالا آخر ولو كان كذلك لرجع عليها بمثل نصف الصداق كذا هذا وقال زفر في الدراهم والدنانير إذا كانت معينة فقبضتها ثم وهبتها ثم طلقها انه لا رجوع للزوج عليها بشئ بناء على أن الدراهم والدنانير عنده تتعين بالعقد فتتعين بالفسخ أيضا كالعروض وعندنا لا تتعين بالعقد فلا تتعين بالفسخ والمسألة ستأتي في كتاب البيوع وكذلك إذا كان المهر دينا فقبضت الكل ثم وهبت البعض فللزوج ان يرجع عليها بنصف المقبوض لان له ان يرجع عليها إذا وهبت الكل فإذا وهبت البعض أولى وإذا قبضت النصف ثم وهبت النصف الباقي أو وهبت الكل ثم طلقها قبل الدخول بها قال أبو حنيفة لا يرجع الزوج عليها بشئ وقال أبو يوسف ومحمد يرجع عليها بربع المهر ( وجه ) قولهما ان المستحق للزوج بالطلاق قبل الدخول نصف المهر فإذا قبضت النصف دون النصف فقد استحق النصف مشاعا فيما في ذمته وفيما قبضت فكان نصف النصف وهو ربع الكل في ذمته ونصف النصف فيما قبضت الا انها إذا لم تكن وهبته حتى طلقها لم يرجع عليها بشئ لأنه صار ما في ذمته قصاصا بما له عليها فإذا وهبت بقي حقه في نصف ما في يدها وهو الربع فيرجع عليها بذلك ولأبي حنيفة ان الذي يستحقه الزوج بالطلاق قبل الدخول ما في ذمته بدليل انها لو لم تكن وهبت وطلقها لم يرجع عليها بشئ وقد عاد إليه ما كان في ذمته بسبب لا يوجب الضمان وهو الهبة فلا يكون له الرجوع بشئ ولو كان المهر جارية فولدت بعد القبض أو جنى عليها فوجب الأطرش أو كان شجرا فأثمرا ودخله عيب ثم وهبته منه ثم طلقها قبل الدخول بها رجع عليها بنصف القيمة لان حق الزوج ينقطع عن العين بهذه العوارض بدليل انه لا يجوز له أخذها مع الزيادة وإذا كان حقه منقطعا عنها لم يعد إليه بالهبة ما استحقه بالطلاق فكان له قيمتها وإذا حدث به عيب فالحق وان لم ينقطع عن العين به لكن يجوز له تركه مع العيب فلم يكن الحق متعلقا بالعين على سبيل اللزوم ولم يكن الواصل إلى الزوج عين ما يستحقه بالطلاق ولو كانت الزيادة في بدنها فوهبتها له ثم طلقها كان له ان يضمنها في قول أبى يوسف وأبي حنيفة خلافا لمحمد بناء على أن الزيادة المتصلة لا تمنع التنصيف عندهما وعنده تمنع وإذا باعته المهر أو وهبته على عوض ثم طلقها رجع عليها بمثل نصفه فيما له مثل وبنصف القيمة فيما لا مثل له لان المهر عاد إلى الزوج بسبب يتعلق به الضمان فوجب له الرجوع وإذا ثبت له الرجوع ضمنها كما لو باعته من أجنبي ثم اشتراه الزوج من الأجنبي ثم إن كانت باعت قبل القبض فعليها نصف القيمة يوم البيع لأنه دخل في ضمانها بالبيع وإن كانت قبضت ثم باعت فعليها نصف القيمة يوم القبض لأنه دخل في ضمانها بالقبض والله عز وجل أعلم * ( فصل ) * وأما بيان ما يسقط به نصف المهر فما يسقط به نصف المهر نوعان نوع يسقط نصف المهر صورة ومعنى ونوع يسقط به نصف المهر معنى والكل صورة اما النوع الأول فهو الطلاق قبل الدخول في نكاح فيه تسمية المهر والمهر دين لم يقبض بعد وجملة الكلام فيه ان الطلاق قبل الدخول في نكاح فيه تسمية قد يسقط به عن الزوج نصف المهر وقد يعود به إليه النصف وقد يكون له به مثل النصف صورة ومعنى أو معنى لا صورة وبيان هذه الجملة ان المهر المسمى اما أن يكون دينا واما أن يكون عينا وكل ذلك لا يخلو اما أن يكون مقبوضا واما أن يكون غير